ابن أبي العز الحنفي
90
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام )
تَوْحِيدٌ مُتَضَمِّنٌ لِسُؤَالِ الْهِدَايَةِ إِلَى طَرِيقِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ ، { الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم } ، { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } الَّذِينَ فَارَقُوا التَّوْحِيدَ . وَكَذَلِكَ شَهِدَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ بِهَذَا التَّوْحِيدِ ، وَشَهِدَتْ لَهُ بِهِ مَلَائِكَتُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ وَرُسُلُهُ . قَالَ تَعَالَى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } [ سورة آلِ عِمْرَانَ : 18 ، 19 ] , فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ إِثْبَاتَ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ ، وَالرَّدَّ عَلَى جَمِيعِ طَوَائِفِ الضَّلَالِ ، فَتَضَمَّنَتْ أَجَلَّ شَهَادَةٍ وَأَعْظَمَهَا وَأَعْدَلَهَا وَأَصْدَقَهَا ، مِنْ أَجَلِّ شَاهِدٍ ، بِأَجَلِّ مَشْهُودٍ بِهِ . وَعِبَارَاتُ السَّلَفِ فِي " شَهِدَ " تَدُورُ عَلَى الْحُكْمِ ، وَالْقَضَاءِ ، وَالْإِعْلَامِ ، وَالْبَيَانِ ، وَالْإِخْبَارِ , وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا حَقٌّ لَا تَنَافِي بَيْنَهَا ؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَتَضَمَّنُ كَلَامَ الشَّاهِدِ وَخَبَرَهُ ، وَتَتَضَمَّنُ إِعْلَامَهُ وَإِخْبَارَهُ وَبَيَانَهُ . فَلَهَا أَرْبَعُ مَرَاتِبَ : فَأَوَّلُ مَرَاتِبِهَا : عِلْمٌ وَمَعْرِفَةٌ وَاعْتِقَادٌ لِصِحَّةِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَثُبُوتِهِ . وَثَانِيهَا : تَكَلُّمُهُ بِذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْ بِهِ غَيْرَهُ ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِهَا مع نفسه ويتذكرها وَيَنْطِقُ بِهَا أَوْ يَكْتُبُهَا . وَثَالِثُهَا : أَنْ يُعْلِمَ غَيْرَهُ بِمَا يَشْهَدُ بِهِ وَيُخْبِرُهُ [ بِهِ ] وَيُبَيِّنُهُ لَهُ . وَرَابِعُهَا : أَنْ يُلْزِمَهُ بِمَضْمُونِهَا وَيَأْمُرَهُ بِهِ . فَشَهَادَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِنَفْسِهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقِيَامِ بِالْقِسْطِ تضمنت هذه المراتب الأربع : علمه بذلك سبحانه ، وَتَكَلُّمَهُ بِهِ ، وَإِعْلَامَهُ وَإِخْبَارَهُ لِخَلْقِهِ بِهِ ، وَأَمْرَهُمْ وَإِلْزَامَهُمْ بِهِ . فَأَمَّا مَرْتَبَةُ الْعِلْمِ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَضَمَّنَتْهَا ضَرُورَةً 1 ، وَإِلَّا كَانَ الشَّاهِدُ شَاهِدًا بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ , قَالَ تَعَالَى : { إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [ سورة الزُّخْرُفِ : 86 ] , وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عَلَى مثلها فاشهد " 2 ، وأشار إلى الشمس .
--> 1 قال عفيفي : ما ذكره الشارح من قول : أنواع التوحيد . 2 ضعيف . أورده الحافظ بن حجر في " بلوغ المرام من أدلة الأحكام " بلفظ : " على مثلها فاشهد ، أو دع " وقال : " أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف ، وصححه الحاكم فأخطأ " وقد خرجته في " الإرواء " " 2667 " .